ابو القاسم عبد الكريم القشيري

69

لطائف الإشارات

لما أمر المسلمين بالتبرّى عن المشركين والإعراض عنهم والانقباض عن الاستغفار لهم بيّن أنّ هذا سبيل الأولياء ، وطريق الأنبياء عليهم السلام ، وأنّ إبراهيم - عليه السلام - وإن استغفر لأبيه فإنما كان من قبل تحقّقه بأنه لا يؤمن ، فلمّا علم أنه عدوّ للّه أظهر البراءة منه . قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 115 ] وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 115 ) إنّ اللّه لا يحكم بضلالكم وذهابكم عن طريق الحقّ باستغفاركم للمشركين إلا بعد ما تبيّن لكم أنكم منهيّون عنه ، فإذا علمتم أنكم نهيتم عن استغفاركم لهم فإن أقدمتم على ذلك فحينئذ ضللتم عن الحقّ بفعلكم بعد ما نهيتم عنه . . . هذا بيان التفسير للآية ، والإشارة فيها أنه لا سلب لعطائه إلا بترك أدب منكم . ويقال من أحلّه بساط الوصلة ما منى بعده بعذاب الفرقة ، إلا لمن سلف منه ترك حرمة . قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 116 ] إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 116 ) الحقّ لا يتجمّل بوجود مملوكاته ، ولا يلحقه نقص بعدم « 1 » مخلوقاته ، فقبل أن أوجد شيئا من الحادثات كان ملكا - والملك أكثر مبالغة من المالك - وملكه قدرته

--> ( 1 ) سقطت الميم من ( بعدم ) فأثبتناها إذ بدونها يضطرب السياق فالمراد ( وجود المملوكات وعدمها ) .